قصص .. مكتبة قصص الأوائل  
 

10829

إعلانات
الرئيسية » قصص و روايات » حينَ تحمل جنائزَ الموتى
 
 

 

 

     
 
حينَ تحمل جنائزَ الموتى


حينَ تحمل جنائزَ الموتى

مفجعٌ أنْ تُبْصِرَ أعينُنا هزائمَ العظماء ..

وسجونَ قلوبِهم المقفلة، أولئك الذين لم نعتدْ سوى على النظرِ إلى انتصاراتِهم وقوتِهم وأحياناً بطشِهم.
نحن الذَّين لم نتعلمْ يوماً كيفَ يجتمعُ الكبرياءُ مع معاطفِ الفقراء، وكيف تصرخُ الطفولةُ في كفِّ رجل عجوز، كيف لنا أنْ نفهمَ كُلّ هذه الازدواجيات التي تزخر بها الأيام وترمينا بها صدف الحياة ودروسها المؤلمة ؟!


مُجهِدةٌ تلك الأفكار التي تولد فينا بعد التفكر، وموجعةٌ هذه الحقيقةُ التي نصفعُ بها أنفسنا حين تعرفُ البصيرة دربها الطويل نحونا، نوهمُ أنفسنا بالعظمةِ التي لا تنتهي ثم نتوقف فجأة، لتعي عقولنا أن الحياة دربٌ من الصعب أن نفهمه أو نمهدَ لهُ جيداً فهو أكبر من أن تعيه سذاجة عقولنا.
لا يمكنني أن أتعلمَ مما حدث مع "أبي خالد" سوى أنَّ الحقيقةَ كبيرةٌ جداً وبعيدةٌ كما هي السماء في عين طفل.
هذا الرجل العظيم، التاجرُ الذَّي زاره ذاتَ يومٍ كُلُّ سكانِ المدينةِ لأنه غدا كما كبار رجالات الدولة " فيتامين " للكثيرين، حمل معه كل ما يمكن ليصل إلى ذلك الكرسي ، رأيته يلون شاربيه بالأسود وكأنه نسي أن والدهُ أخبره ذات حلم أن البياض هيبة ووقار وأحياناً صفاء وسلام.
أحاول " أبوخالد" بذلك أن يحمي أو يمحي ذرات الصدق المتبقية في قلبه بأن صبغها مع شاربيهِ..!
لا زلتُ لا أفهمه ولا أعرف إلى أي الناس ينتمي قلبه،ولكن أتذكر أنني أحببتهُ من ابتسامة زرعها في قلبي البكر بلحظة يأس،حزنت عليه كثيراُ حين علمتُ أنه فقد نصف ما يملك بعد خيانة لم أفهمها إلى اليوم، كل ما فهمتهُ بعدها أن الإنسان هو من يصنع هندامه لا العكس، وعلى عكس جميع الموظفين في شركته لم أذهب لزيارته خفتُ أن أرى العظمة وهي تتلاشى في الصغر، أكره أن يرى في عيني لون شفقةٍ أو بريق مواساة لأمثاله، لا أفهمهم ..


ولا أريد أن دخول عالمِ فهمهم !

عالمه موحش إلا من بعض الأوراق النقدية عيناه تحيرني وكرشه الذي يسبقه يباغت جسمي الهزيل ويخترق مخيلتي لأقف متأملاً كل ذلك السكون الذي يرتطم بالسجاد الإيراني الفاخر في مكتبه الطويل، لستُ متأكداً هل وقفتُ أتأمل حضوره أم سجاده الذي تمنيتُ أن أملك ربعه لأنني وكالعادة قنوع، وربما عندي فيضٌ من القناعة يحجبني عن مواصلة مشوار العمر كأبي خالد،فالأهداف تحتاج إلى طمع وأنانية للوصول،فلكي يحبك النجاح يجب أن تحب نفسك أولاً.
لم أزره - ليتني فعلت - وبقيتُ متوسداً أفكاري بصخب منتظراً عودة أحدهم ليطمئنَ فوضويتي ويُسْكِن هواجسي، وبين هذا رأيتُ أحدهم يقترب ببطء وحزن وانكسار يشبه المرض، سبقته قبل أن اسمعه:
- ها...كيف أصبح أبو خالد؟


- ترحم عليه فقد رحل..!

إلى هنا يتوقف كل شىء ؛ إنها لحظة الموت المدوية جاءت لتبعثر بقايا لهفتي عليه، لتعلن للعالم معنى أن ينتهي الدولاب ويتجمد، فكيف لهولاء أن يُهزموا ويموتوا بهذه السرعة دون إنذارات سابقة؟!
وكمن اعتاد- ولم أكن كذلك- على حضور مراسم الموت أرتديتُ لون الفاجعة الذي لبسهُ الآخرون وسرتُ معهم خلف الجنازة، لم يسيروا خلف الجنازة فقط بل خلف ساعة صاحبها ومحفظته وورثه وأولاده وشماغه الذي لا يزال كما هو مستقيماً وشامخاً، وبين حزني من هيبة الروح التي كنتُ متأكداً أنها تسير معنا سمعتُ صوتَ الصمتِ إلى جانب الحزن والألم، ورأيتُ معنى انتهاء الدرب دون موعد، وبينهما سمعتُ أحداً ممن كان يرتدي نقودهُ وقبل أن يحمل نفسه يحمل كرشه ،يقول:
- هل حدثتَ المحامي بشأن الورث؟!
لحظتها وقف الموتُ أمامي، إذ كيف للطمع أن يجاورَ جسدًا توسد كفن..؟!
مجرد التفكير بتبادل الأماكن فيما بيننا يلهب أفكاري، ويعدم ذرات الهواء من حولي، يشعرني بأن الأرض تضيق وتضيق إلى أن تنحسر في نقطة حبر لا أكثر، حاولتُ أن أحصر الأشخاص الذين تمنوا يوماً أن يكونوا في مكانه، هل لازالوا عند أمنياتهم، أم إن الموت أغتالها كما اغتال الجسد المتمدد فوق رؤوسنا..؟!
هل للموت كل تلك الهيبة التي تجعلنا نحمله فوق أكتافنا، أم إنه زهيدٌ لدرجة إننا نسكنه التراب فيغدو تحت أقدامنا..؟!
و الفكرة الوحيدة التي لا يمكن لشخص في جنازة أن يفكر فيها وحاصرتني حتى جعلتني أتلبسها، هي " خطواتي ".. ماذا لو كانت ترتطم بآخرين ضاقت بهم المقابرُ منذ آلاف السنين فسكنوا الطبقات السفلية للإسفلت..؟

وإلى أن يأتي زمن موتي هل سيتبقى لي تراب يحتوي جسدي
أم سأسكن مخيلة الإسفلت..؟


وبين كل تلك الأفكار تمنيتُ أن أقول لصاحب الورث:
"..أن الدنيا لو دامت لغيرك لما وصلت إليك.."
ولكن احتراماً للروح التي كانت تسير وترى نفسها في قماش أبيض، قررتُ أن أصمت فأكتفيتُ بالترحم على " أبي خالد ".
وبصمت واصلتُ السير مع الركب لأوصلَ أبي خالد إلى تربته الأخيرة أن لم أقل الأولى، ولا زلتُ كما طفلٍ يسأل طفولته همسًا خوفاً من أن يدركه الميت:


-

القرائات : 3 | التعليقات :
 
     
 

 

 
 
لا توجد تعليقات في هدا المقال
 
أكتب تعليق

الاسم :
البريد :
الدولة :
التعليق :


اكتر المقالات قراءة
» قصة سعودي ليلة عرسه روعه ههههههه
» زوج ينزع ثياب زوجته امام اصحابه
» شاب يبوس فتاة امام الهيئه في مجمع الراشد!!!
» قصة واقعية مرعبه؟؟!!
» الدروز وتاريخهم الخبيث !!
» قصةمؤثرة جدا تقشعر لها الاجسام
» رجل يحبس ابنته 16 عام في الحمام
» طفل يرسم .. وبعد أن رأت أمه رسمه أنهارات ..؟؟ !! ؟؟
» معلمات اخر زمن
» الآية التي أبكت الرسول عليه السلام
» قتلت امي وعشيقها
» رواية الطائرة المفقودة للكاتبة اجاثا كريستي( 1 )
» توبة امراة
» خرجت رائحته بعد موته
» "بسم الله الرحمن الرحيم
» توبة الراقصة هالة الصافي
» توبة اشهر عارضة ازياء
» انتبهو ياحرييييييييييييييييم
» قصة سيدنا أيوب عليه السلام
» لمني بشوق واحضني ... 36
» الصالونات ا لنسائية وأشرطة الفيديو
» انتقام خالد ...29
» توبه فتاه ادمنت الشات
» العصفور المغرور..
» ضحت بذراعها لتنقذ شقيقها
» المعلمة الصغيرة
» رجل يطلق خمس نسوه في وقت واحد00000000
» حبسه خطيره.........
» توبة الشيخ سعيد بن مسفر
» قصة هود عليه السلام (1)

جميع الحقوق محفوظه © 2007 لقصص