في "شهقة الفرس" الموت هو الوجه الآخر للحياة
تقدم سارة حيدر في روايتها "شهقة الفرس" نصاً روائياً تفرد فيه حيزاً واسعاً للحياة الداخلية لشخصياتها. ومن الرواية نقتبس:
تراودني رغبة كوسوسة شيطان في العودة ادراجي والنوم.. لكني اتابع التقدم نحو منبع النور، وجنية الليل تتهيأ للانقضاض حالما افتح باب الغرفة، وامرأة المرآة تحاول ان تقول شيئاً لكنها تصمت كعادتها منذ شهور. اقترب بخطى يشبه وقعها حفيف شجرة وهي تمارس الحب مع الريح. ألآمس مقبض الباب بيدي فيخيل الي انه يتحول الى ماء ذهبي حار. احترق ببطء، بنشوة الاقتراب من الشمس. تعاودين الرغبة في الرحيل خارج بقعة النور هذه، خارج البيت، الى الشارع، الى الليل وأسراره المعتقة في زجاجات تقطنها المصابيح. لكني استسلم آخر الامر وقد نسيت الم الاسنان ولم يعد يشغلني سوى الوصول الى نهاية خط النور المنبثق من شق الباب.
تقول سارة حيدر عن الرواية - وفق مركز "النور" -: " المهم في الفروسية هو الركض، الركض وليس الوصول" تلك هي برأيي، نشوة أن تكون حيا: الركض وراء شيء مجهول، الركض وراء اللذة، وراء الحب، وراء الحقيقة، وراء الموت...و من ثم، لا يهم إن كنا سوف نصل أم لا، لا يهم إن كنا سنجد كل هذه الأشياء التي وعدنا أنفسنا بمطاردتها، لا يهم إن كنا سوف ننتهي في مصحة عقلية أو في كوخ حقير..
الفرس في هذه الرواية عكس ما قد يظن الجميع ليست مجرد فكرة مجردة بل هي فرس حقيقية اسمها "كولومبيا" وهي من الشخصيات الرئيسية!
"شهقة الفرس" - والكلام لسارة حيدر - هي غضب على السخافة والابتذال والأقنعة ورداءة ممارستنا الحبّ مع الحياة. هي نظرة موجهة إلى هناك، لا أدري أين ولكني أعرف أنه مكان بعيد، هي الخيبة من تَهَجُّنِ هذا العصر وتقهقر الإنسان العصري إلى ما قبل الارتقاء رغم ما يبدو عليه من مظاهر التحضر واللباقة و الرفاه. أكثر ما يثيرني و يقرفني في هذا الإنسان هو سعادته. كم أكره سعادة الأغبياء!
يُشكّل الموت الجزء الناقص من الحياة الذي لا تكتمل إلا به في رواية "شهقة الفرس". فشخصيات الرواية شخصيات ناقصة، قلقة، تبحث كل منها عن شيء ينقصها حتى إذا ما وصلت إليه تكون قد ماتت- وفق جريدة "المستقبل" اللبنانية.
الرواية تقوم علي علاقة حب بين كاتب روائي يكتب ولا ينشر ويبحث عن مجهول ما، وبين امرأة متمردة جامحة كفرس تختزن في داخلها كاتباً ولا تسمح له بممارسة ظهوره العلني.
وتتعادل الشخصيتان في أن كلاً منهما تدخر شيئاً ولا تريد الإفصاح عنه، هو لا ينشر وهي لا تكتب. وتتعادلان في أن كلٍّ منهما يبحث عن شيء ما ينقصه ويطارده.
وإذ تتكلل العلاقة بينهما بالزواج يُكمل أحدهما الآخر، غير أن النقص يبقى كامناً في كلٍّ منهما. ولعله النقص الذي لا يكتمل إلا بالموت، وهو ما يتحقق بالفعل للزوج في الرواية، ويتحقق بالتمني للزوجة.
بطلة الرواية - كما جاء بجريدة "الحياة" اللندنية - شخصية متعددة، مركبة. امرأة تجمع بين المتضادات، تحب زوجها وتخونه، تقيم في الواقع وتتطلع الى عالم فوق واقعي، وتنتقل بين الحقيقة والوهم.
على أن هذه الشخصية تخضع لتحولات كثيرة لا سيما بعد موت الزوج، فتتردى في غيابات الغربة، وتموت المرأة في داخلها، وتفقد الأشياء بساطتها في نظرها، ويحيط بها الرعب، حتى إذا ما مات والد زوجها وفرسه كولومبيا اللذان يشكلان مع زوجها كائناً واحداً من وجهة نظرها تقف بقية عمرها على البكاء حزناً على هذا الكائن المثلّث، وتنتظر اللحاق به وبهم بفارغ الصبر.