|
|
| |
|
|
| |
يمضي رمضان ويعود الشباب إلى حاناتهم
المساجد يغادرها مرتادوها. وجوه اعتادت الحضور لأداء صلاة التراويح والفجر في كل يوم. بعضها تستعد الآن إلى الانتقال إلى ضفة أخرى. عائدة بعد شهر من الصيام إلى مكانها الاعتيادي، إلى حيث تجلس طويلا.. ترقص، تبتهج، تصفق، تلهو، وتدق كؤوسها على لوح الخشب البني. ذلك اللوح المستعصي على السكر، رغم ما شرب من أنواع الراح، ومن ابنة العنقود. تتمايل حوله الرؤوس، ويظل صاحيا. يخرج سماره متعبين ومنتشين، فيما هو صاح لا يثمله كأس من الشراب أو زجاجة. في أواخر أيام شهر شعبان، تراهم يستودعون مرابعهم. يكرعون من البيرة قناني، ومن الوسكي كؤوسا، ويخرجون ملوحين بأيديهم إلى النادلة المليحة. تَجّدُ النادلة في ترتيب حانتها. تغسل ما لديها من أكواب. تجمع أعقاب السجائر. الزجاجات الفارغة تحملها إلى الخارج. وتغلق الباب خلفها، معلنة: سنعود بعد شهر من الآن، فلا وقت للسكر والشراب. حانت ساعات العبادة والاستغفار وبعدها فلكل حادثة حديث.
يذهب السكارى بعد أن تستقيم رؤوسهم إلى شهر رمضان المبارك. يلبسون الثياب البيضاء الطاهرة، الناصعة في بياضها. يعتمرون طواقيهم. هالة من الإيمان تحيطهم، والخشوع يستملك أجسادهم. يصطفون مع المتهدجين، تبتلُ لحاهم من البكاء تضرعا وخوفا، يعاهدون الله التوبة والمغفرة، ويجدّون في تلاوة كتابه، ودفع الصدقات...وصلاة تتلوها صلاة. ما إن ينقضي الشهر، حتى توضع التوبة النصوحة على محك اختبارها. أتصمد، أم تعود "حليمة لعادتها القديمة"، وكأنك "يا بو زيد ما غزيت"؟!.
البعض وإن حاول عدم العودة إلى سابق العهد، إلا أن الذكريات والحنين لها، يقودانه بعد مدة، إلى مد يده للنادلة ذاتها التي اعتادت السقاية. ساعتها يتوب عن توبته ويغسل دموع الندم بدموع القهقهات المتعالية. فلا لذة إلا لذة الشراب!
نوع آخر من الشباب. لا يكون شهر رمضان لديهم إلا محطة استراحة واستجمام. يتسمرون فيها أمام الأراكيل، وشاشات الفضائيات العربية، ويمضي الليل في لعب البلوت، وتبادل المسجات وملفات البلوتوث. بالنسبة إليهم، ما تغير هو التوقف عن الكحول، وعن منادمة الفتيات.
توقف موقت، تنقضي أيامه بانقضاء آخر ليلة من ليالي رمضان. وما إن يأتي العيد، إلا ويركب الشبان طائراتهم باتجاه القاهرة وبيروت وكازا ودبي ودمشق وبانكوك. ويستقل آخرون سياراتهم، ناحية المنامة.. وسواها من المدن القريبة. مدن تتسع لتسكعهم الليلي ومجون الضحكات وعبثية أجسادهم المتهالكة.
كاترين، النادلة الشرق آسيوية، العاملة في إحدى حانات المنامة، اعتادت على زبائنها الخليجيين، من سعوديين وقطريين وكويتيين.. وسواهم، تخبر عن أن "زبائني هم ذاتهم، لا يتغيرون، على الرغم من قدوم شهر رمضان. فبعد انقضاء أيام الصيام، نعود لممارسة عملنا بشكل طبيعي جدا. بل تجد أن الدخل المادي يزداد في أيام الأعياد الأولى لأن الزبائن تشرب بكثرة، وكأنها تريد أن تعوض عما فاتها من أيام لم يتسنَ لها السكر فيها".
هل تختلف عاداتهم وطريقتهم، أو كيف يبدو العائدون في تصرفاتهم؟ تجيب كاترين "تراهم يتبادلون التحية والسلام والقبلات في ما بينهم. يخبر كل واحد الآخر عن أحواله، ومجريات حياته الرمضانية. البعض منهم يحتفي بأصدقائه فيدعوهم على شرفه. والبعض الآخر يحتفي بطريقة خاصة جدا، بأن يقيم حفلا مصغرا يجمع فيه عددا من الفتيات وأصدقائه في جو من الرقص والصخب".
زكي، الشاب ذو 22 عاما، يستعد مع أصدقائه للسفر إلى دبي فترة العيد. رحلة سريعة تستغرق بضع ليال، لأن الجامعة على الأبواب، إلا أنه مهما قصرت، فإنه يراها ضرورية ليستعيد عبرها نشاطه وحيويته.
ما الذي سيفعله زكي في دبي؟ يبتسم وهو يجيب، دون أن يخفي حمرة تعلو وجنتيه "وساعة صدر ووناسة". عبارة موجزة، تختصر كل معاني الراحة التي يسعى إليها الشباب ممن هم في عمر زكي، ممن يمتلئون شهوة وحبا للحياة ولذاتها.
عندما تسأل زكي، أين صيام رمضان، ودعاؤه؟ يرد عليك "ساعة لربك، وساعة لقلبك".
يعلم زكي أنك لا تقتنع بجوابه، لأنه هو الآخر غير مقتنع به، إلا أنه يغلق عليك بابا من الأسئلة، يراها إن بدأت، فلن تنتهي لصالحه.
منصور، صديق زكي، ورفيقه في سفره إلى دبي يشاركنا النقاش مبديا رأيه: "أرى في التزام الشباب بالصيام، والتوقف عن شرب الكحول في رمضان، وعدم ممارسة الجنس أمرا منسجما مع حرمة الشهر الذي هم فيه، ومنسجما مع ما تربوا عليه من عادات وتقاليد. فهم في النهاية مسلمون، يحترمون دينهم. وأما عودتهم للملاهي والنوادي الليلية بعد عيد الفطر، فهي ممارسة لحياة الشباب التي اعتادوا عليها". مفسرا عدم نمو الوازع الديني لديهم رغم صيامهم، بقوله "التدين في رمضان موقت وطارئ. وهو ليس تدينا يقدم عليه كثيرون وهم في نيتهم التوبة والتوقف عما كانوا يمارسونه سابقا. هناك من تكون لديه إرادة التوبة، وهنالك من لا يفكر فيها أصلا".
هكذا تعود العجلة للدوران مجددا مع أول يوم في شوال، وتستمر حتى رمضان المقبل. عجلة كلما تسارعت في دورانها، دارت معها رؤوس، وسقطت أخرى!.
القرائات : 34 | التعليقات : 0
|
|
| |
|
|
لا توجد تعليقات في هدا المقال
|
|