رفيق الحريري العاشق الرومانسي
كان لا بد لهذا الشريط أن يحقّق يوماً. كان لا بد أن يظهر وتظهر معه صورة مغايرة، إلى حدّ ما، للرئيس الراحل رفيق الحريري: صورة إنسانيّة تتوغّل عميقاً في العواطف والحب والعلاقات البشريّة التي كانت، وكما سيؤكّد الشريط نفسه في النهاية جزءاً شديد الجمال من شخصيّته المتعدّدة، صورة إنسانية بدأت ترتسم من خلال علاقته بزوجته نازك، وبعد ذلك من خلال علاقاته العائليّة ومع البشر أجمعين. إنها صورة ندر أن قدّم مثيل لها عن أي زعيم سياسي عربي على الإطلاق. فالصور المعهودة عن الزعماء العرب، ومهما كانوا «كاريزماتيين» أو طيبين، هي دائماً صورة سياسيّة، ترسم بتأنٍ وحذر يجعلان الزعيم يبدو في النهاية، وكما قد يحبّ له كُثُر أن يكون: مجرّد تمثال رائع من حجر.
ريكاردو كرم، صاحب «وراء الوجوه» الناجح عادة، وتلفزيون المستقبل، شاءا أن يقدما إذاً، ولو متأخّرين عامين كاملين، تلك الصورة الإنسانية المحبّبة تحت عنوان «رفيق العمر»، بالتعاون مع أرملة الشهيد الراحل. ويبدو أنّ التأخّر كان مرتبطاً بهذا البُعد الأخير، أي بضرورة الانتظار ريثما تتمكّن السيّدة من أن تحكي تلك الأمور الخاصة، الحنون، الجميلة التي ملأت بها الشريط.
كل هذا جميل ومنطقي ولكن ماذا لو أنّ هذه الرسالة الجميلة، وصلت كاملة خلال الساعة الأولى من الشريط الذي يستغرق عرضه على الشاشة الصغيرة ثلاث ساعات (من دون أن ننسى أنّ صاحب البرنامج بشّرنا بأنّ ثمّة عودة أخرى في الأسبوع المقبل)؟ فالشريط، عدا عن فكرته الطيبة وجماله، هو أيضاً ثلاث ساعات عُرضت مساء الأربعاء الفائت، وما لا يقل عن عشر نهايات. إذ في كل مرّة كان يبدو فيها أن الشريط وصل إلى نهاية ما وبدت الشاشة وقد أقفلت، كان ريكاردو كرم يطلّ من جديد. للوهلة الأولى كان يبدو أنّه يريد أن يختم على طريقته بل انّه يفعل هذا بالفعل ويتنفّس الذين أحبّوا الشريط الصعداء، لكن الكاميرا سرعان ما تعود في زوم إلى رواق ثم إلى غرفة، ويعود صوت السيّدة يستأنف الكلام من جديد... وهذا الأمر تكرّر مرّات ومرّات، بحيث انتهى الشريط إلى أن يصبح مملاً يحمل تكراراً مدهشاً، وحوارات مع أصدقاء الرئيس الشهيد المقرّبين، ولكن أيضاً مع العائلة، كل العائلة... بل كذلك مع «النسايب» والأصهار فبدا أنّ الواجبات العائليّة والاجتماعيّة حتّمت ألاّ يغيب أحد. فالكل هنا يشهدون ويتكلّمون ويسهبون في التفاصيل، وفي طريقهم يكرّر بعضهم ما كان قاله البعض الآخر. بل يكرّر ما كان هو نفسه قاله قبل دقائق، ما جعل الأمر يبدو في النهاية حفلة سمر عائلية، وأغرق الفكرة الأساسية في بحر من العواطف والمواقف. والفكرة، في حدّ ذاتها، كانت منذ البداية، عابقة بالحب... بل أنها لو اكتفت بالتركيز على ما هو جوهري، وذهبت بالقشور، لكان يمكنها أن تقدّم «بطل» الشريط الراحل، نموذجاً يحتذى في التعامل والتفاعل مع الأخلاقية العائليّة، مع المرأة. بل لكان من شأنها أن تأتي أكثر توضيحاً وتفسيراً لشخصية رفيق الحريري نفسه: فالرجل الذي يحبّ زوجته ويفخر بها إلى هذا الحدّ والذي يرفض فكرة أنّ «وراء كل عظيم امرأة» لمصلحة فكرة أكثر تقدّماً وجمالاً مفادها أنّ كل عظيم لا يمكنه أن يكون عظيماً إلاّ لأن ثمّة امرأة إلى جانبه وتقود خطاه، أحياناً، مثل هذا الرجل، ما كان يمكنه الا أن يبني وطنه ويكون معطاءً لشعبه وأمّته حتى لحظات حياته الأخيرة. على حسب قول الشاعرة فدوى طوقان «... فبالحب كنوز الخير فينا تتفجرّ».
والحال أنّ فكرة من هذا النوع، كانت كافية لتشكّل أجمل ما في احتفالات الذكرى الثانية لرحيل رفيق الحريري، خصوصاً أنّ الفيلم في حدّ ذاته، وبعيداً من مسألة التطويل و «الواجبات العائلية» التي طغت عليه، حمل الفكرة وخدمها بالصورة والوثيقة ولكن أيضاً، بالتعليق الدسم الذي قام به صوت جميل قدّم نصاً لا أخطاء لغويّة فيه ولا تردّد. فقط كانت ساعة واحدة تكفي لهذا كله. وكانت تكفيه نهاية واحدة... فمتى نتعلّم فن الاختصار والتركيز؟